قال الباحث التونسي في تاريخ الغرب الحسن بن الحسن إن هناك أنظمة في العالم العربي لها مرونة وعمود فقري مرن وقدرة على التكيف أكبر، وأن "قدرة التكيف هذه تستدعي منها الذهاب رأساً إلى إصلاحات سياسية جوهرية وحقيقية، وهي في الحقيقة تمتلك الإمكانيات للقيام بهذه الإصلاحات".
وأوضح الحسن بن الحسن أن "قدرة التكيف هذه تستدعي الذهاب رأسً إلى إصلاحات سياسية جوهرية وحقيقية، وهي في الحقيقة تمتلك الإمكانيات للقيام بهذه الإصلاحات التي يمكن فعلاً أن تضمن التقدم الاجتماعي والحركة نحو الأفضل بدون تمزقات اجتماعية حقيقية".
وأكد أنه لا يمكن إحلال التنظيم مكان المجتمع، ذلك أن التنظيم في أحسن حالاته يمكن أن يكون طليعة اجتماعية ثقافية وسياسية للمجتمع نحو الإصلاح والتغيير، ولكنه لا يمكن أبداً أن يتوهم أنه يمكن أن يغير بإمكانياته وقدراته ووسائله الذاتية واقعه المجتمعي والسياسي.
وتاليا نص الحوار الذي أجرته التجديد من الدوحة قبيل ثورة مصر الشعبية:
ـ ما هي الثورة في الفكر الإنساني، وما أسبابها وعواملها؟
· بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، يطلق اصطلاح الثورة على التحول العميق الجذري الذي لا يكون ما بعده كما كان ما قبله، يطلق على التحول الحاسم الممتلك لقدرة القطع مع ما قبله ولقوة افتتاح حقيقي لما بعده. الثورة باستمرار تختزن قوة القطع و تستمد قسما هاما من طاقتها من هذه القوة وتمتلك أيضاً قوة الافتتاح، لذلك في التاريخ وقعت أحداث دموية كبرى ولم يطلق عليها اسم ثورات لأن مختزناتها الرمزية وقدرتها على القطع و الافتتاح كانت ضعيفة، لا نطلق اسم الثورة على الأحداث الجسام كائناً ما كان حجم هذه الأحداث وكائناً ما كانت دمويتها وكائناً ما كانت الأرواح التي تزهق فيها إذا لم تحدث شرخاً حقيقياً في الزمن لا يكون فيه ما بعدها كما كان ما قبلها. نحن نطلق اسم الثورة على الثورات السياسية ولكن نطلق هذه التسمية أيضاً على الثورات العلمية و الصناعية والمعرفية والدينية والتأويلية الخ…
ومعنى هذا أن كل حدث يمتلك هذه القوة، قوة الاختزان وقوة الافتتاح وقوة إحداث تحول حقيقي في مجرى التاريخ يمكن أن يعتبر ثورة في بابه، نتحدث عن الثورة الكوبرنيكية و عن الثورة التأويلية التي قام بها ديلتاي في اخضاع تأويل العهدين القديم والجديد لقواعد معرفية واضحة قابلة للتحصيل والإشاعة المعرفيين لأنها أحدثت منعرجاً في هذا الباب. لكن لا شك أن مصطلح الثورة ينطبق ويلتصق عادة بالثورات السياسية. وفي مقاربة الثورات السياسية لا نجد نظرية معرفية نهائية، كل الثورات تفتح أبوابا لامتناهية للمعرفة التاريخية و الاجتماعية و النفسية و غيرها، لكن على العموم لو أردنا أن نحدد العناصر الدلالية الداخلة في مفهوم الثورة والتي يمكن أن تساعدنا على فهم هذه الثورة أو تلك لأمكن القول بأن الثورة لا تحصل إلا في واقع ساكن طال سكونه، لا ثورة بدون وضعية سكون تاريخي طويل، سكون سياسي، سكون معرفي علمي…إلخ. وفي الحقيقة لا وجود للسكون التاريخي و ما يبدو سكونا هو اما حركة الى الخلف أو تجمع و تراكم صامت لأسباب الحركة الانفجارية الى الأمام.
الثورة تحدث في الواقع الذي بدأ منذ زمن طويل يتحرك إلى الخلف، حتى يصل الانحطاط فيه إلى درجة غير محتملة، يقول الفيلسوف الألماني المعروف إيمانويل كانط إنه حين يصل الانحطاط في أمة ما درجة ليس لها ما بعدها نكون أمام أحد أمرين: إما العثور على طريق الصعود من جديد، أو الفناء والاندثار. وعادة يتخذ العثور على طريق الصعود من جديد شكل ثورة دينية علمية أو سياسية إلخ… إذن لا ثورة بدون وضعية تبدو ساكنةً لمدة طويلة، أو وضعية تراجع وتقهقر إلى الخف لمدة طويلة.
ـ وهذه أحد أسباب الثورة، أليس كذلك؟
· نعم بدون أدنى شك إنها سبب رئيسي للثورة، خاصية الإنسان الكبرى هي أن الله خلقه بكينونة منفتحة، كينونة الإنسان في الحركة والمصير وكرامة الإنسان الوجودية هي باستمرار في الحركة، وتعطيل هذا المحرك الكبير للوجود الإنساني لا يعني سوى الانحطاط الوجودي الذي لا يمكن أن يستمر إلى ما نهاية، فما يبدو في ظاهره سكوناً ليس سكونا، كما قلت.
ــ يبدو لنا فيما أسميتموه بوضعية السكون التاريخي أن الشارع أو المجتمع لا يعاني من أية مشكلة مما تسميه الجمعيات والأحزاب فسادا وظلما وجورا، فهل هذا سكون بالمعنى التاريخي؟
· أحد الشعراء الألمان الكبار ايكهارت يقول: السكون ليس غياباً ولكنه تجميع لعناصر الحركة، وشاعرنا أبو القاسم الشابي يقول:
حذار فتحت الرماد اللهيب ومن يزرع الشوك يجني الجراح
فما يبدو في ظاهره سكوناً على مسرح التاريخ وعطالةً هو في الحقيقة تجميع لعناصر الحركة وربما لخميرة الثورة، السكون يخفي باستمرار وضعية تاريخية بائسة من الظلم والتعدي على حقوق الناس والانتهاك لحرمات الناس. السكون هو باستمرار ثمرة وضعية سياسية استعبادية وضعية يهيمن فيها الخوف ويشل قوى الحركة التي في المجتمع المدني، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يشل حركة الإنسان إلى حين ويشل حركة المجتمع هو الخوف والرعب، ليس شيئا آخر، ولذلك المستبدون عموماً ينحتون لشعوبهم وضعية يمكن أن نسميها بوضعية المهانة الوجودية و الوضاعة السياسية و السكون التاريخي كما يتوهمون، أهم خاصية لهذه الوضعية هي أن يتأله المستبد و ينحت لنفسه منزلة من لا يقبل التحدي ولا حتى الهمس مع النفس بالاعتراض عليه، وهذا يكون عبر مجموعة من التقنيات أهمها سلطة البوليس القائمة على إمكانية التعدي اللامحدود على حرمات المعارضين وانتهاك كل أحزمة الأمان الأدبية والأخلاقية التي سيجت بها الثقافة الإنسان. المستبد ينحت لشعبه وضعية يمكن أن نصفها بوضعية المهانة، وهذه الوضعية تصنع أيضاً عبر تقنية أخرى هي تقنية استخفاف العقول و ازدراء وعي العامة بتصوير أبشع وجوه التخلف الاجتماعي والسياسي على أنها تقدم والدكتاتورية على أنها دفاع عن المجتمع وعن حقوق الإنسان….إلخ. والتقنية الثالثة التي يستخدمها المستبد لنحت وضعية المهانة التاريخية لشعبه هي ما يمكن أن نسميه بتأليه الفرد أي رفعه فوق المحاسبة الشعبية وفوق المساءلة التاريخية وتحويله إلى صنم ووثن أصم تجاه أي نصح أو أي احتجاج، بحيث يبث ولا يستقبل، هو جهاز بث ولكنه ليس جهاز استقبال، التأليه و احاطته بحاشية المتملقين و الوصوليين و الانتهازيين يعطل فيه كل منافذ الاستقبال.
هذه هي اذن الوضعية التي ينسجها الاستبداد و التي يمكن أن نسميها بوضعية المهانة التاريخية. و داخل وضع كهذا يقوم على استخفاف العقول وعلى تأليه الفرد وعلى الانتهاك الشامل للحرمات لا بد أن تتشكل خميرة الرفض الذي قد يصل حد الثورة، ، فتتولد مشاعر النقمة والغضب ويتفاقم التوتر بين الواقع والواجب ، وبقدر ما تنسد مسالك تصريف هذا التوتر وبقدر ما تنسد منافذ الحلم والتطلع إلى المستقبل، بقدر ما يؤدي هذا إلى ما يمكن أن نسميه بالوضعية الثورية.
ــ أيهما يتبع الآخر الثورة السياسية أم الثورة الفكرية؟ من يقود الآخر ويحرك الآخر الثورة السياسية أم الثورة الفكرية؟
· يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير مقارنا بين الحركات الاحتجاجية في فرنسا وفي أنجلترا قبل قيام الثورة الفرنسية بأن الأنجليز أهرقوا أنهاراً من الدماء من أجل لجم المستبدين إخضاع الدولة للقانون، وقد حققوا نجاحات معتبرة في ذلك، في حين أن الفرنسيين أهرقوا أضعاف ما أهرقه الإنجليز من الدماء ولكن دماءهم لم تزد القيود التي تكبلهم إلا إحكاما ،
و السبب الرئيسي في ذلك هو أن التحركات الاجتماعية للإنجليز كانت لها مطالب محددة ووجه ثقافي وفكري واضح، ولذلك كانت تتجه كلها إلى مصب واحد هو تقييد الدولة بالقانون وتقليص صلاحيات المستبد، في حين أن تضحيات الفرنسيين كما يصفها فولتير كانت تحركات شعبية لا تحمل ملامح وقسمات ثقافية واضحة، كانت ذات حمولة رمزية ضعيفة ، فيما بعد سيصنع الفرنسيون ثورتهم بملامح فكرية وثقافية واضحة، ولا شك أن هذا ثمرة ما يمكن أن نسميه بالتبادل والتفاعل بين أفكار الفلاسفة أو الأفكار العالمة و بين الحساسية الشعبية أوالعامة.
ميشال فوفيل أحد المؤرخين الفرنسيين الكبار بحث عن اللحظة التاريخية الحاسمة التي أصبحت فيها الثورة الفرنسية قدراً واقعاً، و قد وجدها في الفترة التي تقع بين عشرين وثلاثين سنة قبل الثورة، ويقول إن السبب الرئيسي الذي سرع حركية الزمن نحو الثورة وجعلها قدراً قادماً لا محالة هو التبادل الكبير الذي حصل بين الحساسية العامة وبين أفكار فلاسفة الأنوار.
وأنا قلت من البداية إنه لا يمكن أن نتحدث عن ثورة بدون مختزنات رمزية حقيقية وبدون قدرة على القطع وعلى الافتتاح، ولذلك فالمختزنات الفكرية لأي ثورة مسألة حيوية وحاسمة، يمكن أن تقع أحداث جسام ولكن لا تزيد القيود التي تكبل شعباً ما إلا إحكاماً.
ــ الثورة التونسية كانت ثورة مفاجأة، كيف نفهم هذه الخاصية المفاجئة للثورة؟
· ابتداء كل الثورات كانت مفاجئة لا الثورة التونسية فحسب، الثورة تبدو لأول وهلة حدثاً متلفعاً بالغموض، لا يمكن توقعه ولا فهمه، الثورة حدث كبير يفاجئ عادة كل التحليلات ويظهر أننا لا نعرف ما كنا نظن أننا نعرف، مرجع هذه الضبابية الرئيسي للثورات هو ما يمكن أن نسميه بفقدان الدوال المعرفية أو المؤشرات المعرفية التي يمكن أن تمكننا من فهم ما يحصل في نفوس الناس. الاستبداد لا يقوم ولا يستمر إلا عن طريق صنع وضعية سيكولوجية شعبية وعامة تتسم بالخوف وبالترهيب من المعارضة ومن الاقتراب من الشأن السياسي. وهذا على المستوى السيكولوجي النفسي يخلق ما يمكن أن نسميه بحاجز القمع والكبت، هذا الحاجز النفسي الكبير الذي يمنع الناس حتى من مجرد التفكير في المعارضة أو الجهر بما يمكن أن يعتمل في نفوسهم هو حجاب معرفي حقيقي يمنع من رؤية ما يعتمل في نفوس الناس وما يتراكم ويختزن تحته ويحول بيننا وبين أي إمكانية فعلية للوصول عن طريق دوال معرفية محددة وعلمية إلى ما يعتمل وراءه . لذلك فان معرفة الثورات تتم باستمرار بما يمكن أن نسميه بأثر بعدي، بمعنى أن الثورة تعرف بعد أن تقع، وتبدأ معرفتها ويبدأ البحث عن العوامل وعن أسبابها القريبة والبعيدة… ومع ذلك أقول إن الثورة ليست حدثاً متلفعاً بالغموض مائة بالمائة، بل إن هناك دوالا معرفية يمكن أن تقربنا إلى فهم ما يجري خلف ما أسميناه بحاجز القمع و الخوف ، من هذه الدوال يمكن أن نذكر خطوط المنع والقمع السياسي التي يتحول الكلام عندها إلى همس للضمير ومونولوج داخلي ، و هذه الخطوط حواجز ترسم حدود المحرم السياسي الذي تتمرتس خلفه قوى اجتماعية متنفذة.
حدود المنع السياسي تتحول إلى حاجز نفسي للقمع والكبت تتجمع تحته كل الطاقة المتولدة من انغلاق منافذ الإفصاح والتعبير والأمل وانسداد قنوات التعبير عن توترات الشرعية السياسية، و للتوضيح نقول ان شرعية الأنظمة السياسية منقوصة باستمرار و ليس هناك نظام في التاريخ شرعيته كاملة والفرق بين الديمقراطيات وغيرها هو أن الديمقراطية تسمح بظهور توترات الشرعية في مجال الرؤية عن طريق اقرار حقوق الاحتجاج و ارساء آليات التفاوض الاجتماعي في حين لا تسمح الأنظمة القمعية بظهورها، وهذا يخلق هذا الحاجز، وبقدر ما تصبح هذه الخطوط أكثر صلابة وأكثر اتساعاً بقدر ما يكون ما يعتمل وما يختزن تحت حاجز القمع والكبت أكثف وشحنته الانفجارية أكبر.
و من الدوال المعرفية التي يمكن أن تساعدنا على فهم وجود خميرة ثورية في مجتمع ما، يمكن أن نذكر أيضاً درجة تركيز الفساد المالي والسياسي والإداري وتكثيفه الاجتماعي ودرجة ظهوره للعيان، وهو ما يساعد الطاقة النفسية أو طاقة الغضب في التصويب نحو وجهة محددة وصحيحة. الدوال المعرفية موجودة اذن و لكن تتطلب قدرة على الاصغاء و النفاذ المعرفي الى الطباقت النفسية المعتمة ، ولكن هذا لا يمنع أننا عادة ما نفهم الثورات بأثر بعدي ولا نتوقعها قبل وقوعها.
ــ نريد أن نعرف هل الثورات عموما شعبية أم نخبوية؟ هل هي صنيعة النخبة أم الشعب؟
· الثورة هي ثمرة التبادل بين النخبة والشعب وإلا فليست ثورة. ثورة شعبية صرفة فقيرة ثقافيا هي مجرد حركة احتجاج اجتماعي وتنفيس للاحتقان والغضب، أي ليست ثورة. إذا لم يكن للحراك الشعبي الكبير مختزنات رمزية وقدرة تحويلية وافتتاحية حقيقية لا يسمى ثورة، وهذا لا يكون إلا إذا كان هناك تبادل حقيقي بين النخبة وبين الشعب، أو بين ما يمكن أن نسميه بالأفكار العالمة والحساسية العامة، وعادة هذا التبادل يتم عن طريق مجموعة الوسائط الرمزية التي تبسط الفكرة و تجعلها قابلة للاشاعة كالخطابة و الأدب و الشعر و الغناء و المسرح و عبر وسائط تواصلية مادية توصل الفكرة الى الناس فعلا كالصحف و الكتب و المنتديات و الصالونات الفكرية و المسارح و الأشرطة و الأقراص المدمجة و الأنترنت و الفضائيات الخ… في الثورة الفرنسية كانت هناك قنوات ووسائط لانتقال الأفكار الثورية و رواجها و اليوم هناك وسائط أخرى أسرع و أبلغ و أنفذ بما لا يقاس.
وليس هناك ثورة من الثورات في التاريخ إلا وفيها هذا التبادل، هذا التبادل هو شرط تشكل ما يمكن أن نسميه بسيكولوجية التغييرو شرط تحول التناقضات الموجودة في المجتمع إلى باطن الوعي وتحول الظلم الاجتماعي إلى طاقة للرفض و ارادة للقطع والتطلع إلى المستقبل، هذا التبادل شرط أيضاً لفتح أفق لحالة الاحتقان عن طريق رسم أنموذج متخيل بديل للاجتماع السياسي.
· هناك أسباب متعددة كما قلت للثورات وأكيد أنها تحققت في تونس ولم تتحقق في بلدان عربية أخرى، هل يمكن أن تقدم لنا بعض هذه الأسباب؟
ــ في الحقيقة كل ثورة لها تاريخ ويتوهم من يظن أن الثورة حدث لحظي خالص معزول لا تاريخ له، وعادة تاريخ الثورة هو تواريخ متعددة وليس تاريخا واحدا، أو لنقل إن تاريخ الثورة يتفرع إلى مجموعة تواريخ فرعية: تاريخ نظام متآكل فقد دفاعاته ووهن المدافعون عنه، كيف تآكل النظام؟ وكيف فقد دفاعاته؟ تاريخ الحس النضالي والاحتجاجي لشعب ما والقنوات التي عادة ما يتم عبرها تصريف الاحتقان والتوتر الاجتماعي، تاريخ قوى المجتمع المدني والقوى الثورية وتاريخ الشجاعة السياسية في هذا المجتمع، تاريخ الجيش و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ